عربي
Thursday 21st of November 2019
  631
  0
  0

الخمس في المعادن

الخمس في المعادن

روى محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ حول ما يخصّه بالفلزات كالذهب والفضة والصفر والحديد والرصاص.
قال: سألته عن معادن الذهب والفضة والصفر، والحديد، والرصاص فقال: «عليها الخمس جميعاً».ومثله صحيح الحلبي.
ما خرج عن حقيقة الأرض وأخذ لنفسه صورة نوعية غيرها.
روى محمد بن مسلم قال :سألت أبا جعفر ـ عليه السَّلام ـ عن الملاّحة فقال: «وما الملاّحة؟» فقلت: أرض سبخة مالحة يجتمع فيها الماء فيصير ملحاً، فقال: «هذا المعدن فيه الخمس» فقلت : والكبريت والنفط يخرج من الأرض؟ قال: فقال: «هذا وأشباهه فيه الخمس». وما جاء في هذه الرواية بجمعها خروجه عن حقيقة الأرض.
ويمكن تعميمه إلى ما يخرج عنها ابتداء كالنفط، أو انتهاءً وهذا كالجص والنورة فانّهما بعد الإحراق لا يصدق عليهما الأرض.
ما يدلّ على شرطية وجود جذر له في الأرض.
ففي صحيح زرارة سألته عن المعادن ما فيها؟ فقال: «كلّ ما كان ركازاً ففيه الخمس» وقال:« ما عالجته بمالك ففيه ـ ما أخرج اللّه سبحانه منه من حجارته مصفى ـ الخمس».(1)
وعلى ذلك، فمثل الملاحة بالمعنى الوارد في الحديث ليس بمعدن ويلحق به حكماً ويؤيده أنّ الصدوق رواه بالنحو التالي: «هذا مثل المعدن فيه الخمس».
فخرجنا بالنتيجة التالية: إنّ المعدن عبارة عمّا خرجت في ظلّ عوامل طبيعية عن الصورة الأرضية وكان لها جذر في الأرض، فيشمل الزبرجد والياقوت والعقيق.
نعم أحجار الرحى وأمثالها التي ينتفع بها أكثر مما ينتفع بغيرها ليست من المعادن، كالطين الأحمر .
والحاصل: أنّه مادام تصدق عليه الأرض ولم يخرج عن صورتها النوعية وإن كانت ذات فوائد كثيرة ليست بمعدن، فلو شكّ في مورد، فالمرجع ، هو العموم، إلاّ إذا ثبت كونه معدناً.
والمراد من العموم هو قوله: «الخمس على جميع ما يستفيد الرجل من قليل أو كثير من جميع الضروب».(2) وعلى ذلك يتعلّق الخمس بالمشكوك، وإن لم يبلغ النصاب الخاص للمعدن، ولا يتعلّق الخمس إلاّ بما زاد عن مؤنة السنة، لو قلنا بتعلّقه بكلّ فائدة وعدم اختصاصه بالتجارة والكسب.
فإن قلت: إنّ التمسك بالعموم في مورد المشكوك، تمسّك بالعام في مورد الشبهة المصداقية للخاص وهو غير جائز.
قلت: إنّ إجمال المخصص مفهوماً إنّما يسري إلى العام إذا كان متّصلاً به مثلاً إذا قال: أكرم العلماء غير الفساق، وشكّ في أنّ مرتكب الصغيرة، فاسق أو لا، فلا يمكن التمسك في مورده لا بالعام ولا بالخاص، لا ما إذا كان منفصلاً، فلا يسري إجماله إلى العام فلو قال: أكرم العلماء، ثمّ قال في مقام آخر، بأنّه لا تكرم فساق العلماء، ففي مورد الشكّ يتمسّك بعموم العام ويحكم بوجوب إكرام مرتكب الصغيرة من العلماء، وذلك لأنّ العام حجّة في تمام أفراده إلاّ إذا ورد دليل ظاهر على إخراج فرد أو نوع ممّا لم تدل حجّة على خلافه يؤخذ به، والتفصيل في الأُصول.
إلى هنا تبين وجوب الخمس في المعدن بالمعنى الذي عرفت.
وأمّا أهل السنّة فلم يقل بوجوب الخمس في المعادن إلاّ أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه، وأمّا الباقون فقالوا بوجوب الزكاة إذا بلغ المخرَج حدّ النصاب.
قال الشيخ في الخلاف: المعادن كلّها يجب فيها الخمس من الذهب والفضة. إلى أن قال:
وقال الشافعي: لا يجب في المعادن شيء إلاّالذهب والفضة، فانّ فيهما الزكاة وماعداهما ليس فيه شيء انطبع أو لم ينطبع.
وقال أبو حنيفة: كلّما ينطبع مثل الحديد والرصاص والذهب والفضة ففيه الخمس، وما لا ينطبع فليس فيه شيء، مثل الياقوت والزمرّد والفيروزج، فلا زكاة فيه، لأنّه حجارة.(3)
وقال العلاّمة: الواجب في المعادن الخمس لا الزكاة، عند علمائنا. وبه قال أبو حنيفة وخصّه بالمنطبعة. وقال الشافعي : لا يجب إلاّفي معدن الذهب والفضّة خاصّة على أنّه زكاة، لأنّه مال مقوّم مستفاد من الأرض فأشبه الطين.(4)
والصحيح أن يقول: فأشبه الزرع كما قال مالك على ما رواه أبو عبيد في الأموال.(5)
ولا فرق في وجوب إخراج خمس المعدن بين أن يكون في أرض مباحة أو مملوكة، و بين أن يكون تحت الأرض أو على ظهرها، ولا بين أن يكون المخرج مسلماً أو كافراً ذمّياً، بل و لو حربيّاً و لا بين أن يكون بالغاً أو صبيّاً، وعاقلاً أو مجنوناً فيجب على وليّهما إخراج الخمس و يجوز للحاكم الشرعيّ إجبار الكافر على دفع الخمس ممّا أخرجه و إن كان لو أسلم سقط عنه مع عدم بقاء عينه.
1. لا فرق في المعدن بين كونه واقعاً في أراضي مباحة أو مملوكة لإطلاق الأدلّة، ويتملّك المعدن تبعاً للأرض في الأراضي المملوكة على الحدّ الذي يعدّ تبعاً للأرض وإلاّ فلا، وبالإحياء والحيازة في الأرض المباحة، ويشترط الإذن من الإمام ـ عليه السَّلام ـ أو نائبه في القسم الثاني الذي يعدّ من الأنفال، وثبوت الإذن العام للشيعة في زمان الغيبة بلا حاجة إلى الاستئذان من الفقيه، مشكل.
2. لا فرق بين كون المعدن تحت الأرض أو ظهرها، لصحيحة محمّد بن مسلم(6) الماضية بشرط أن يكون مدخراً طبيعياً لا مطروحاً، فلو وجد شيء من المعدن في الصحراء فأخذه فلا خمس فيه من باب المعدن. نعم يمكن أن يقال بوجوبه لعدم الموضوعية للاستخراج والملاك هو العثور على المعدن كما سيوافيك.
3. لا فرق بين أن يكون المخرِج مسلماً أو كافراً ذمياً ولو حربياً، أمّا المسلم فواضح، وأمّا الكافر فهو مبني على أحد أمرين:
الاول. كونه مكلّفاً بالفروع كتكليفه بالأُصول وإن كان لا يقبل منه، لأنّ الأداء مشروط بالإيمان.
2. كون الخمس حقّاً مالياً للغير متعلّقاً بماله كتعلّق الأروش والديات بماله، وعلى الجملة، فهو ضريبة متعلّقة بالمال ولا عبرة بالمالك كالضمان والجناية، والكفّار وإن لم يكونوا مكلّفين بالفروع ولا يتوجّه إليهم تكاليف لكن الضرائب والغرامات والضمانات بل كلّ الأُمور الوضعية ليست إلاّ أُموراً وضعية لها أسباب شرعية أو عقلائية، فالعبرة هناك بالأسباب والمسبّبات دون الأفراد والأشخاص، فلو قتل الكافر خطأ أو جرح إنساناً أو غير ذلك يتعلّق بذمّته أو ماله الدية، ويؤيّده ظهور الآية، فهي ظاهرة أنّ الخمس من الغنيمة ملك للمستحق من غير فرق بين كون المالك مسلماً أو كافراً.
وما ذكر من التقريب صحيح لولا أنّ النصوص صريحة في عدم وجوب شيء آخر للذمي سوى الجزية على الأموال أو الرؤوس; روى الكليني بسند صحيح عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ في أهل الجزية يؤخذ من أموالهم ومواشيهم شيء سوى الجزية ؟ قال: «لا».(7)
ثمّ إنّ التفريق بين الزكاة فيشترط في وجوبها، البلوغ; والخمس، فلا يشترط، ويجب على الولي تخليص ماله من الحقّ الثابت فيه، يحتاج إلى الدليل، حيث قالوا في الزكاة: لا تجب على غير البالغ في تمام الحول فيما يعتبر فيه الحول، ولا على غير بالغ في بعضه اعتماداً على ما ورد من النص :«ليس على مال اليتيم زكاة، وإن بلغ اليتيم فليس عليه لما مضى زكاة، ولا عليه فيما بقي حتى يدرك»(8) والزكاة والخمس من باب واحد، كلاهما فريضة ماليّة، يجب إيصالها إلى أصحابها، و يشترط في وجوب الخمس في المعدن بلوغ ما أخرجه عشرين ديناراً بعد استثناء مؤنة الاخراج و التصفية ونحوهما، فلا يجب إذا كان المخرج أقلّ منه، و إن كان الأحوط إخراجه إذا بلغ ديناراً بل مطلقاً.
والتقريب المذكور في مورد الكافر، جار في الصبي والمجنون، لولا حديث رفع القلم عن ثلاثة(9) فانّ مقتضى إطلاق رفع قلم التكليف عنهما، هو عدم تعلّق تكليف فيهما لا وضعاً ولا تكليفاً ومعه لا ينتفي الاستدلال المذكور.
وممّا ذكرنا يعلم النظر في ما ذكره المصنف حيث قال: ولا بين أن يكون بالغاً أو صبيّاً أو عاقلاً، أو مجنوناً فيجب على وليهما إخراج الخمس.
كما يظهر النظر في قوله: ويجوز للحاكم الشرعي إجبار الكافر على دفع الخمس ممّا أخرجه وإن كان لو أسلم سقط عنه مع عدم بقاء عينه. لما عرفت من ظاهر الأدلّة عدم وجوب شيء عليه سوى الجزية.
اختلفت كلمة أصحابنا في بلوغ ما أخرج من المعدن إلى حدّ خاص إلى أقوال خمسة كما سيوافيك، لكنّ الظاهر من أبي حنيفة أنّه يجب الزكاة في قليله وكثيره خلافاً للشافعي ومالك، وإليك نصّ الشيخ:
قال الشيخ في الخلاف: قد بيّنا أنّ المعادن فيها الخمس ولا يراعى فيها النصاب. وبه قال الزهري وأبو حنيفة كالركاز سواء.
قال ابن قدامة في كتاب الزكاة: الفصل الثالث في نصاب المعادن، وهو ما يبلغ من الذهب عشرين مثقالاً ومن الفضّة مائتي درهم، أو قيمة ذلك من غيرهما وهذا مذهب الشافعي.(10) وأوجب أبوحنيفة الخمس في قليله وكثيره من غير اعتبار نصاب بناء على أنّه ركاز لعموم الأحاديث التي احتجّوا بها عليه، ولأنّه لا يعتبر له حول فلم يعتبر له نصاب كالركاز.(11)
وقال ابن رشد في كتاب الزكاة: المسألة الخامسة: وهي اختلافهم في اعتبار النصاب في المعدن وقدر الواجب فيه، فانّ مالكاً والشافعي راعيا النصاب في المعدن، وإنّما الخلاف بينهما أنّ مالكاً لم يشترط الحول واشترط الشافعي، وكذلك لم يختلف قولهما أنّ الواجب فيما يخرج منه، هو ربع العشر، وأمّا أبو حنيفة فلم ير فيه نصاباً ولا حولاً، وقال: الواجب هوالخمس.(12)
وأمّا أقوال أصحابنا ـ رضوان اللّه تعالى عليهم أجمعين ـ فلهم أقوال خمسة:
1. عدم اعتبار النصاب: اختاره الشيخ في الخلاف وقدعرفت عبارته; وأطلق ابن البرّاج وقال: وأمّا المعادن التي ذكرناها، فإنّه يجب فيه الخمس في كلّ شيء منها.(13)
وحكى ابن سعيد الحلي، في الجامع للشرائع القولين بلا ترجيح، وقال: ولا يعتبر قدره (النصاب) في المعادن على قول، وعلى قول آخر يعتبر نصاب الزكاة، وقيل: يعتبر فيها دينار.(14)
وحكى هذا القول عن الشيخ في اقتصاده، وقال العلاّمة في المختلف: وأطلق ابن الجنيد وابن عقيل والمفيد والسيد المرتضى وابن زهرة وسلاّر واختار ابن حمزة الأوّل(اعتبار النصاب)واختار ابن البرّاج قوله في الخلاف وهو قول ابن إدريس.(15)
أقول: قد عرفت أنّ ابن البرّاج في المهذّب قد أطلق ولم يُصرِّح بعدم النصاب، وعلى ذلك فلم يظهر اختيار ذاك القول إلاّ من الشيخ في خلافه واقتصاده وإلاّ من ابن إدريس، ويظهر الميل إليه من المحقّق في شرائعه كما سيجيئ.
2. بلوغه ديناراً واحداً: اختاره أبوالصلاح في الكافي، قال: وما بلغ من المأخوذ من المعادن والمخرج بالغوص قيمة دينار فمازاد.(16)
وقال في المختلف: رواه ابن بابويه في المقنع ومن لا يحضره الفقيه.
3. بلوغه عشرين ديناراً: أفتى به الشيخ في النهاية، والمبسوط.
قال في النهاية: ومعادن الذهب والفضة لا يجب فيها الخمس إلاّ إذا بلغت إلى القدر الذي تجب فيه الزكاة.(17)
وقال في المبسوط: وجميع ما ذكرناه يجب فيه الخمس قليلاً أو كثيراً ومعادن الذهب والفضّة فانّه لا يجب فيها الخمس إلاّ إذا بلغت إلى القدر الذي يجب فيه الزكاة.(18)
والتعبير في كلا الكتابين مأخوذ من الرواية، ونقله المحقّق، احتمالاً في المسألة وقال: ويجب فيه الخمس بعد المؤنة، وقيل: لا يجب حتى يبلغ عشرين ديناراً وهو المروي والأوّل أكثر.
ومثله العلاّمة في التذكرة قال: يجب الخمس في المعدن بعد تناوله وتكامل نصابه إن اعتبرناه.(19)
ويقرب منه قوله في المنتهى.(20) والظاهر أنّ مراده من النصاب هو بلوغ العشرين.
واختاره صاحب المدارك ونسبه إلى عامة المتأخرين.
وقال في المسالك: إنّه المروي والعمل على المروي.
وقال في الحدائق: اختاره ابن حمزة وعليه جمهور المتأخرين.(21)
4. اعتبار أقلّ الأمرين من نصاب النقدين: أي بلوغه إمّا إلى عشرين ديناراً أو مائتي درهم، وهو للفقهاء المعاصرين.
5. نقل الشهيد الثاني في المسالك اكتفاء الشهيد وجماعة ببلوغه مائتي درهم، لأنّها كانت قيمة عشرين ديناراً في صدر الإسلام.(22)
هذه هي الأقوال، وليست المسألة إجماعية، والآراء مستندة إلى الروايات، فيجب دراستها:
أمّا القول الأوّل: فقدتمسّك له بإطلاق روايات دلّت على الخمس في المعدن من دون ذكر النصاب، كرواية عمّار بن مروان قال: سمعت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ يقول: «فيما يخرج من المعادن والبحر والغنيمة والحلال المختلط بالحرام إذا لم يعرف صاحبه والكنوز، الخمس».
ومرسل ابن أبي عمير: الخمس على خمسة أشياء على: الكنوز، والمعادن، والغوص، والغنيمة. ونسي ابن أبي عمير الخامس.
والجواب عنه واضح، لأنّ الإطلاق فيهما في مقام بيان أصل الحكم دون شرائطه أوّلاً، وإمكان تقييدهما بما دلّ على النصاب ثانياً.
وقد عرفت أنّ القائل به مثل الشيخ اضطربت كلماته، وأنّ الآخرين غير ابن إدريس أطلقوا، والإطلاق ليس دليلاً على النفي.
وأمّا القول الثاني: فقد استدل بصحيح البزنطي، عن محمّد بن علي بن أبي عبد اللّه، عن أبي الحسن ـ عليه السَّلام ـ قال: سألته عمّا يخرج من البحر من اللؤلؤ والياقوت والزبرجد، وعن معادن الذهب والفضّة هل فيها زكاة؟ فقال ـ عليه السَّلام ـ : «إذا بلغ قيمتهديناراً ففيه الخمس»(23)، وبما أنّ الياقوت والزبرجد من المعادن، كالذهب والفضة، وكأنّه قال: اللؤلؤ، والمعادن الأربعة إذا بلغت قيمتها ديناراً ففيها الخمس.
ثمّ إنّ الراوي سأل عن تعلّق الزكاة، والإمام أجاب بتعلّق الخمس، والرواية معمولة بها في باب الغوص، فلا يمكن ردّها من جهة الإعراض، وقد عمل بمجموعها أبو الصلاح الحلبي في الكافي كما عرفت. ثمّ إنّه أُجيب عن الرواية بوجوه:
1. تخصيصه بما يرويه نفس البزنطي ـ كما سيوافيك ـ في خصوص المعدن من لزوم بلوغه عشرين ديناراً، فتكون النتيجة اختصاص الرواية الأُولى بالغوص. يظهر ذلك الجمع من الشيخ في تهذيبه حيث قال: لا تضاد بين الخبرين، لأنّ الأوّل تناول حكم المعدن والثاني حكم ما يخرج من البحر، ولعلّ الباعث إلى هذا الحمل وقوع ما يخرج من البحر في صدر الحديث الحاكي عن عناية الراوي به، فيحمل الجواب على مهمّته وهو كما ترى.
يلاحظ عليه: أنّ التخصيص إنّما يصحّ لو كان الوارد في الرواية الأُولى لفظاً جامعاً يعمّ الغوص والمعدن بعنوان واحد لا ما إذا ورد فيهما نوعان كاللؤلؤ والمعادن، إذ يكون إخراج المعادن معارضاً لا مخصصاً، وهذا نظير ما إذا قال: أكرم زيداً وعمراً ثمّ قال: لا تكرم زيداً.
2. جهالة الراوي، أعني: محمّد بن علي بن أبي عبد اللّه.
يلاحظ عليه: أنّ الراوي عنه هو البزنطي، وهو لا يروي إلاّ عن ثقة، لأنّه أحد الثلاثة الذين نصّ الشيخ عليهم في العدة بالخصوص.(24)
3. احتمال سقوط لفظ «عشرين» من الرواية، وكأنّه قال: إذا بلغت قيمته عشرين ديناراً.
يلاحظ عليه: لازمه أنّ سقوطها عن الحجّية في باب الغوص، وهم قد عملوا بها فيه.
4. حملها على الاستحباب في خصوص المعدن، فيستحب إخراج خمسه إذا بلغ ديناراً وإنّما يجب في العشرين ديناراً.
يلاحظ عليه: بأنّ لازمه التفكيك في المدلول بمعنى القول بوجوب الخمس في الغوص إذا بلغ ديناراً، واستحبابه في المعدن إذا بلغ هذا المقدار.
نعم ما يمكن أن يقال: كان هنا روايتان: رواية في الغوص ونصابه دينار واحد، ورواية في المعدن ونصابه عشرون ديناراً، وقد جمعها الراوي في رواية واحدة فحصل الاشتباه.
ويؤيد ذلك أمران:
ألف. إفراد الضمير وتذكيره في «قيمته» الظاهر في رجوعه إلى الغوص، وعلى ذلك فالجواب يرجع إلى الغوص فقط.
ب. اختلاف التعبير من السؤالين، فقد عبّر في الأوّل بقوله: «عمّا يخرج» وفي الثاني بقوله: «هل فيها زكاة».
أضف إلى ذلك أنّ الراوي عن الإمام ليس له في مجموع الفقه إلاّ روايات ثلاث، وهو يشهد على بعده عن نقل الحديث والانس مع نقلته(25) وليس من البعيد عن مثله خلط الروايتين.
وأمّا القول الثالث: فاستدل له بما رواه البزنطي بسند صحيح، قال: سألت أبا الحسن ـ عليه السَّلام ـ عمّا أخرج المعدن من قليل أو كثير هل فيه شيء؟ قال: «ليس فيه شيء حتى يبلغ ما يكون في مثله الزكاة عشرين ديناراً».
والاستدلال به يتوقّف على بيان فقه الحديث:
1. انّ قوله: «من قليل أو كثير» قرينة على أنّ السؤال إنّما عن النصاب لا عن أصل الوجوب.
وبعبارة أُخرى: انّ السائل كان عالماً بأنّه يجب عليه شيء في ما أخرج المعدن، ولكن لا يعلم أنّه من قليله أو كثيره، ولأجل ذلك جاء الجواب مطابقاً للسؤال.
2. المراد من «شيء» في السؤال هو الخمس بقرينة الجواب، ولولاه لكان مبهماً متردّداً بين الزكاة والخمس.
3. فاعل الفعل في قوله: «يبلغ» هو الضمير العائد إلى «ما أخرج المعدن».
4. مفعول الفعل هو «ما يكون» والمراد من الموصول هو حدّ النصاب.
5. قوله:«عشرين ديناراً» عطف تفسير للموصول.
6. قوله: «ما يكون في مثله الزكاة»، بيان للحدّالذي يجب فيه «شيء» وأنّه إذا بلغ الحدّ الذي يجب في مثله الزكاة يجب فيه الشيء الذي ورد في السؤال، وهذا قرينة على أنّ الواجب في المقام غير الزكاة، وإلاّ لكان الإتيان «بمثله» زائداً وكان له أن يقول ما يجب فيه الزكاة، وعلى هذا يكون حاصل الجواب، أنّ الحدّ الذي يجب في مثله الزكاة يجب فيه شيء وليس ذاك الشيء إلاّ الخمس لعدم خروج الواجب عن كلا العنوانين، ويكفي في رفع إبهام الشيء ما قلناه من أنّ المراد من «شيء» في السؤال هو الخمس بقرينة ما في الجواب، فالسؤال كان عن النصاب والإمام ـ عليه السَّلام ـ أجاب عنه بعطف المسألة على باب الزكاة وأنّه في البابين واحد، فكما لا يجب الزكاة في النقدين إلاّإذا بلغ عشرين ديناراً، فهكذا لا يجب الخمس فيما يخرج من المعادن كلّها ذهباً كان أو فضّة أو غيرهما إلاّ إذا بلغ ذلك المخرج من حيث القيمة ذلك الحدّ.
ويؤيّد ذلك ما فهمناه من الرواية، روايته الثالثة في مورد الكنز عن أبي الحسن الرضا ـ عليه السَّلام ـ قال: سألته عمّا يجب فيه الخمس من الكنز؟ فقال: «ما يجب الزكاة في مثله ففيه الخمس».(26)
فإنّ كلاًّ من السؤال والجواب يصلح قرينة على رفع الإبهام من الآخر، فالإبهام الموجود في سؤال الرواية الأُولى (هل فيه شيء) يرتفع، بما ورد من التصريح بالخمس في سؤال الرواية الثانية.
كما أنّ الإبهام الموجود في جواب الرواية الثانية (حيث لم يصرح بأنّ النصاب هو العشرون) يرتفع بما جاء صريحاً في جواب الرواية الأُولى من التصريح بالعشرين، وإليك كلا السؤالين:
1. عمّا أخرج المعدن من قليل أو كثير هل فيه شيء؟
2. سألته عمّا يجب فيه الخمس من الكنز.
وإليك الجوابين:
1.ليس فيه شيء حتى يبلغ ما يكون في مثله الزكاة عشرين ديناراً.
2. ما يجب الزكاة في مثله ففيه الخمس، فبالمقارنة يرتفع الإبهام.
وبذلك يعلم أنّ ما جاء في رواية الغوص والمعادن من التعبير بالزكاة حيث قال: «هل فيها زكاة» يحمل على التزكية اللغوية مثل قوله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها)(27) أو المراد منه مطلق الواجب مشيراً إليه باللفظ الغالب، أعني: الزكاة.
ثمّ إنّ المحقّق الهمداني صاحب المصباح أورد على الاستدلال بالحديث وجوهاً نذكر ملخّصها:
1. إعراضهم عن النص المزبور مع صحّته وصراحته في نفي وجوب شيء عليه مالم يبلغ النصاب.
2. ما حكي عن الشافعي وغيره من العامة القول بوجوب الزكاة في معدن الذهب والفضّة وإشعار الرواية بإرادتها، فتكون الرواية على هذا التقدير جارية مجرى التقية.
3. لو كان المقصود أنّه بعد بلوغ النصاب يكون فيه الخمس، لكان محتاجاً إلى بيان زائد; بخلاف ما لو كان المراد به الزكاة، فانّه يفهم من سوق التعبير.
4. إنّ صحيحة محمّد بن مسلم تصرّح بوجوب الخمس في الملح المتّخذ من الأرض السبخة المالحة التي يجتمع فيها الماء فيصير ملحاً، وتنزيلها على ما إذا بلغ هذا الحدّ لا يخلو من بعد.(28)
والكلّ غير تام، أمّا حديث الإعراض، فقد عرفت أنّ الشيخ أفتى بمضمونه في النهاية والمبسوط، واختاره ابن حمزة في الوسيلة; وأمّا القدماء فقد أطلقوا ولم يصرّحوا بعدم لزوم النصاب، كما لاحظت العبارة التي نقلناها عن المهذّب، وصرّح العلاّمة في المختلف بإطلاق كلامهم.
أمّا كونها واردة مجرى التقية وأنّها بصدد بيان الزكاة في المعادن، فبعيد عن ظاهر الرواية، إذ لو كان هذا هو المراد، لما جاء بلفظ «مثله» وكان الأنسب أن يقول: أن يبلغ المخرج القدر الذي يكون فيه الزكاة.
وأمّا الثالث: فالظاهر أنّ الأمر بالعكس، لو أراد منه الخمس لكانت العبارة وافية، ولو أراد منه الزكاة لكانت العبارة مغلقة، لتدخل كلمة «مثله».
وأمّا الرابعة: فلأنّ دخول الملح المجتمع في الأرض المالحة في المعادن حكمي لا موضوعي، إذ ليس له ثبات وركاز في الأرض إلاّ إذا كان له جذور في الأرض وبلوغه لعشرين ديناراً ليس بعيداً، وبالجملة لا يجوز رفع اليد عن الصحيحة بهذه الوجوه.
ثمّ إنّ المحقّق الهمداني، حاول الإجابة عن الإشكالات التي طرحها بوجوه غير تامة، فلاحظ.
وأمّا القول الرابع: فقد استدل له بأنّ الملاك في صحيح البزنطي هو البلوغ إلى الحدّ الذي يكون في مثله الزكاة، والحدّ الذي يكون فيه الزكاة في الذهب عشرون ديناراً وفي الفضة مائتا درهم، وعلى ذلك فلو بلغت قيمة المخرج أحد الحدّين لصدق عليه قوله: «حتى يبلغ ما يكون في مثله الزكاة»، وعلى ذلك يكون قوله: «عشرين ديناراً» محمولاً على التمثيل.
قال الشيخ الأنصاري: «وهل يجزي بلوغ قيمته مائتي درهم، أم لابدّ من بلوغه عشرين ديناراً؟ قولان منشؤهما: ظهور قوله ـ عليه السَّلام ـ : «ما يجب في مثله الزكاة» في الأوّل، وظهور الاقتصار ـ في بيانه ـ على عشرين ديناراً مع أنّ الأصل في نصاب الزكاة، الدراهم، واعتبر بالدنانير لأنّها عِدل الدراهم ـ كما في غير واحد من الأخبار ـ في الثاني».(29)
ولكن العرف يساعد الوجه الأوّل، ويحمل العشرين على أنّه من باب التمثيل.
ويؤيد كون «العشرين ديناراً» من باب التمثيل، عدم وروده في رواية الكنز فقد اكتفى فيه بقوله : «ما يجب الزكاة في مثله ففيه الخمس».
المصادر :
1- الوسائل: الجزء 6، الباب 3من أبواب ما فيه الخمس، الحديث 1و2و3و4
2- الوسائل: الجزء 6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1.
3- الخلاف:2/116، كتاب الزكاة، المسألة 138.
4- التذكرة:5/410.
5- الأموال: 342.
6- الوسائل: الجزء 6، الباب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 4.
7- الوسائل: الجزء 11، الباب 68 من أبواب جهادالعدوّ ،ص 115.
8- الوسائل: الجزء 6، الباب 1 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 3.
9- الوسائل: الجزء 1، الباب 4 من أبواب مقدّمات العبادات ، الحديث 11.
10- ما ذكره الشافعي من النصاب وقدر الواجب راجع إلى الزكاة فانّه لا يقول في المعادن إلاّ بالزكاة.
11- المغني :3/24.
12- بداية المجتهد:250.
13- المهذّب: 1/178.
14- الجامع للشرائع:149.
15- المختلف، كتاب الخمس:3/318.
16- الكافي : 170.
17- النهاية:197.
18- المبسوط:1/237.
19- التذكرة:5/411.
20- المنتهى:1/545.
21- الحدائق: 13/330.
22- مسالك الافهام:1/459.
23- الوسائل:ج 6، الباب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث5و 6و7.
24- عدة الأُصول:1/154، حجّية خبر الواحد، الطبعة المحقّقة.
25- معجم رجال الحديث:16/306 رقم الراوي11267، فله حديث في الكافي في كتاب الصلاة باب «النوادر» الحديث 12، وحديثان في التهذيب باب الخمس والغنائم ، الحديث 356، وباب كيفية الصلاة، الحديث 452.
26- الوسائل: ج6، الباب 4 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1و2
27- التوبة:103.
28- مصباح الفقيه: 26، كتاب الخمس، الطبعة الحديثة.
29- كتاب الخمس:32.

  631
  0
  0
امتیاز شما به این مطلب ؟

آخر المقالات

    الخمس و ذوي القربی
    الوقف فـي نقاط
    الخمس في المعادن
    کيفية التصرف بارباح الخمس
    حكم الخمس بناء على نظرية ولاية الفقيه
    ُ تَحْرِيمِ الْإِعْجَابِ بِالنَّفْسِ وَ بِالْعَمَلِ ...
    ُ عَدَمِ جَوَازِ اسْتِقْلَالِ شَيْ‏ءٍ مِنَ ...
    طَهَارَةِ سُؤْرِ الْحَائِضِ وَ كَرَاهَةِ الْوُضُوءِ ...
    بَابُ كَرَاهَةِ الطَّهَارَةِ بِمَاءٍ أُسْخِنَ ...
    بَابُ طَهَارَةِ سُؤْرِ السِّنَّوْرِ وَ عَدَمِ ...

 
user comment